ابن رشد

124

تهافت التهافت

واحدة وكانت تكون تلك الصورة واحدة بالموضوع كثيرة بالحد كالحال في النفس ، لكن أكد هذا الظن بهم ما يزعمون من صدور بعضها عن بعض ، وكأنهم أرادوا أن يفهموا الأمر هنالك بتشبيه ذلك بالفاعلات المحسوسة ، وبحق صارت العلوم الإلهية لما حشيت بهذه الأقاويل أكثر ظنية من صناعة الفقه . فقد تبين من هذا القول أن ما رام أبو حامد من أن يلزمهم الكثرة في واجب الوجود من أجل إلزامهم إياها في ممكن الوجود ، أنه ليس بصحيح ، لأنه إن فهم من الإمكان الإمكان الحقيقي كان هنالك تركيب ولا بد ، وأن كان ذلك مستحيلا على ما قلناه وسنقوله بعد لم يلزم مثل ذلك في واجب الوجود ، وإن فهم من الإمكان معنى ذهنيا لم يلزم أن يكون ولا واحد منهما مركبا من هذه الجهة ، وإنما يفهم منه التركيب من جهة ما هو علة ومعلول . الاعتراض الثاني : قال أبو حامد : أن نقول : أعقله مبدأه عين وجوده وعين عقله نفسه أم غيره ، فإن كان عينه فلا كثرة في ذاته إلا في العبارة عن ذاته ، وإن كان غيره فهذه الكثرة موجودة في الأول فإنه يعقل ذاته ويعقل غيره . قلت : الصحيح أن ما يعقل من مبدأه هو عين ذاته ، وأنه في طبيعة المضاف ، وبذلك نقص عن مرتبة الأول ، والأول في طبيعة الموجود بذاته ، والصحيح عندهم : أن الأول لا يعقل من ذاته إلا ذاته ، لا أمرا مضافا ، وهو كونه مبدأ ، لكن ذاته عندهم هي جميع العقول ، بل جميع الموجودات بوجه أشرف وأتم من جميعها على ما سنقوله بعد ، ولذلك ليس يلزم هذا القول الشناعات التي يلزمونها إياه . قال أبو حامد : فإن زعموا أن عقله ذاته عين ذاته ولا يعقل ذاته ما لم يعقل أنه مبدأ لغيره ، فإن العقل يطابق المعقول فيكون راجعا إلى ذاته . قلت : هذا كلام مختل ، فإن كونه مبدأ هو معنى مضاف فلا يصح أن يكون عين ذاته ، ولو عقل كونه مبدأ لعقل ما هو له مبدأ على النحو من الوجود الذي هو عليه ، ولو كان ذلك كذلك لاستكمل الأشرف بالأخس ، فإن المعقول هو كمال العاقل عندهم على ما يظهر في علوم العقل الإنساني . قال أبو حامد : فنقول : والمعلول عقله ذاته عين ذاته فإنه عقل بجوهره فيعقل نفسه والعقل والعاقل والمعقول منه أيضا واحد ، ثم إن كان عقله ذاته عين ذاته فليعقل ذاته معلولا لعلة فإنه كذلك ، والعقل يطابق المعقول فيرجع الكل إلى ذاته فالكثرة إذا غير موجودة ، وإن